KW

صناعة المواد الغذائية تقتل أبناءها

عبدالرحمن حسن علي
مؤســس المنتدى
مؤســس المنتدى
ذكر
الجنسية :
عدد المشاركات عدد المشاركات : 16042
تقييم المشترين تقييم المشترين : 49
واتساب واتساب : 201289700022
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

في الخميس 18 نوفمبر - 2:05


مصطفى العروي
قديماً، رفع الطبيب اليوناني الشهير إبوقراط (عاش في القرن الرابع قبل الميلاد) شعار «دوائي أكلي وأكلي دوائي»، بمعنى إمكان الاعتماد على المواد الغذائية في الوقاية من الأمراض وعلاجها. وحاضراً، باتت المأكولات المُصنّعة تفوق الطعام المُهيأ بطريقة طبيعية بنسبة 80 في المئة.
وتعطي المواد الاصطناعية المستعملة في المأكولات مذاقاً ومنظراً جذابين، وتحافظ عليها لمدة طويلة، كما تسمح بالحصول عليها خارج أوقات مواسمها، وبأسعار اقتصادية نسبياً. والنتيجة أنه صار ما نأكله سبباً في كثير من الأمراض، بحسب رأي علمي عام، وانقلب قول إبوقراط إلى عكسه «مرضي أكلي وأكلي مرضي». وفي كتاب أثار كثيراً من النقاش في الغرب صدر مؤخرا، بيّن صحفي فرنسي متخصص أن المواد الغذائية المُصنّعة والمأكولات السريعة، تؤدي دوراً كبيراً في مجموعة من الأمراض.
لقد باتت مضار المواد الغذائية المُصنّعة والمأكولات السريعة، موضع نقاش كبير في الأوساط الطبية حاضراً، إذ يميل كثير من العلماء للنظر إليها بارتياب كبير. ولعل الأحدث في هذا المجال هو كتاب طعام سام Toxic Food، من تأليف ويليام ريموند، الصحافي الفرنسي المستقر في الولايات المتحدة، وقد صدر الكتاب حديثاً عن دار «فلاماريون» في فرنسا.
وفي هذا الكتاب، لم يكن الكاتب رحيماً لا بوطنه الأم فرنسا ولا بالبلد الذي يعيش فيه (أميركا)، إذ انتقد أنماط الغذاء فيهما، استناداً إلى دراسات علمية أنجزت في أميركا الشمالية والقارة الأوروبية.
ويلاحظ الكتاب أن جلّ الأطفال يأكلون ويشربون سوائل ومواد غذائية مُصنّعة، كما يُلاحظ عزوفهم عن الوجبات المطبوخة في البيت. ومنذ عقود، لوحظ أن نظام التغذية تغيّر كثيراً في الغرب، خصوصاً مع انغماس النساء في أسواق العمل، وتوسّع صناعة الأغذية، وانتشار نظام الأكل الأميركي بأثر من العولمة وآثارها المتنوّعة.
ويشير الكاتب إلى نقطة أخرى أساسية تتعلق بعملية المضغ التي تعطي طبيعياً إشارات إلى الدماغ تتراكم لتعطي إحساساً بالشبع. وتضعف هذه العملية عند استعمال المأكولات السريعة، مما يقود إلى التهام كميات أكثر، كأننا نأكل من دون فرامل.
أطعمة بنوع أدنى
يلفت ريموند، الذي ألّف كتباً عدّة عن الموضوع عينه، إلى التغييرات التي تحدث في تركيبة الأطعمة، عند إنتاجها بوسائل الصناعة. فمثلاً، يفقد الحليب 13 في المئة من الفوسفور ونصف الحديد و36 في المئة من الكالسيوم.
وبالرجوع إلى مصادر متنوّعة، يثبت الكاتب أن استعمال وسائل اصطناعية في زراعة الفواكه والخضار، أعطى منتجات تحتوي كميات قليلة من الفيتامينات والمواد المفيدة صحياً، بل أقل كثيراً مما كانت تحتويه نظيراتها في الستينات من القرن العشرين.
وكذلك يورد دراسة بريطانية راجعت إحصاءات تقارن بين أعوام 1951 و1972 و1999، فوجدت أن اللحم ازدادت نسبة شحمه وانخفضت نسبة الحديد فيه، كما تزايدت شحوم الدجاج الأبيض ونقصت فيتاميناتها، بأثر من الاستعمال المُكثّف للأسمدة والأطعمة الاصطناعية، المترافق مع وهـن في الخصوبة الطبيعية للتربة.
ويتحدث الكتاب عن مجموعة من الأمراض التي تناولتها دراسات علمية في أوروبا وأميركا، وتبيّن أنها كانت تظهر سابقاً في سن متأخرة من عمر الإنسان، لكنها تظهر حاضراً عند الأطفال والمراهقين مثل السمنة وهشاشة العظام ومرض السكري وغيرها. كما تأكد مدى علاقة بعض الأمراض، مثل أورام البروستات، مع الأطعمة المُنتجة بوسائل الصناعة.
ويشير الكاتب إلى العلاقة بين طبيعة المآكل المعاصرة، وبعض الأمراض التي تصيب الدماغ، مستنداً إلى دراسات ارتكزت إلى أساليب التصوير الطبي الحديثة الثلاثية الأبعاد. ويوضح أن الدراسات خلصت إلى القول بأن أمراض العصر، مثل سرطان البروستات والثدي والقولون والخصيتين، تعتبر أمراً نادراً في سهول الصين مثلاً.
ويشير أيضاً إلى أن بعض دول العالم الثالث لا تعرف النسبة عينها من هذه الأمراض. في المقابل، ترتفع معدلات الإصابة بهذه الأمراض بين مواطني الدول عينها، عندما يهاجرون الى البلدان المتقدمة، ويتأثّرون بطُرُق الأكل الـمعتمدة على الأطـعمة السريع، مع ما يرافقها من اضطرابات في صحتهم العامة.
لوبي صناعة الأطعمة وتجربة التدخين
يؤكد الكاتب أن كثيراً من مُكوّنات المواد الغذائية المُصنّعة تشكل وقوداً لعملية انتقال الخلايا من الحال الطبيعية الى الوضع السرطاني. ويورد دراسات عملت على التأكّد بطريقة مباشرة من ذلك الأمر، عِبر اختبارات على فئران التجارب.
وظهر في إحدى هذه التجارب أن الفئران التي اعتمدت في أكلها على البروتين من أصل حيواني، تدهور حال سرطان الكبد عندها ليصل الى مرحلة الانتشار القاتل. ويقتبس الكتاب عن «منظمة الصحة العالمية» تأكيدها أن مادة الـ «إكريلاميد» تشكّل خطراً ضارياً على الصحة. والمعلوم أنها تتكون من قلي البطاطا في الزيوت التي يتكرر القلي بها، كحال البطاطا التي تباع مع الوجبات السريعة («فرينش فرايز») والـ «شيبس» وغيرها.
و شدّدت المنظمة الدولية على دور الـ «أكريلاميد» في مجموعة من الأورام السرطانية. ويعيد الكتاب التشديد على ما بات شائعاً عن العلاقة بين أمراض القلب والشرايين من جهة، والدهون المضرة وقلة الرياضة من جهة أخرى.
ويتحدث الكتاب أيضاً عن العلاقة بين المآكل المنتجة بوسائل الصناعة وظهور مجموعة من الأمراض المعروفة.
ويورد مثلاً ان الأطعمة المقلية في الزيت المتكرر الاستخدام، لها علاقة مع السمنة والأورام السرطانية أيضاً. وينبّه إلى أن الاستهلاك المتطاول للأغذية المُحضّرة صناعياً بإضافة عشرات المواد الكيماوية الحافظة (وتلك ضرورة كي تصلح الأطعمة للتصدير)، يؤدي إلى آثار سلبية داخل خلايا جسم الإنسان، وضمنها تحريك عمليات سرطنة الخلايا والأنسجة.
ويناقش الكتاب الدور المؤثّر الذي تلعبه جماعات الضغط «اللوبي» المرتبطة بصناعة الغذاء (خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية)، إلى حدّ أنها تموّل بعض الدراسات العلمية، ثم تتدخل في نشر النتائج والخلاصات العلمية المتأتية عنها! وثمة مثال شائع: الدور الذي لعبه لوبي شركات التـبغ في منع انتشار نتائج الدراسات العلمية التي ربطت منذ خمسينات القرن الماضي، بين التدخين والإصابة بسرطانات الجهاز التنفسي.
ويورد الكتاب مجموعة من النصائح العملية، مثل عدم حفظ البطاطا المثلجة لفترة طويلة، وعدم استعمالها إذا تغيّر لونها أو شكلها، وكذلك تقصير زمن القلي إلى الحدّ الأدنى، والتركيز على استهلاك الخضار والفواكه المحلية.
وبنبرة لا تخلو من الألم، يتحدث الكاتب عن تغذية الدجاج في أوروبا ببروتينات أصلها من الخنازير، لتغيير مذاقه وزيادة وزنه، بهدف الربح الأعمى. ويشير إلى أن ذلك يطرح مشكلة دينية بالنسبة إلى المسلمين واليهود، إضافة إلى أن هذه الصناعة تبدو وكأنها تُسمّم الدجاج سعياً الى الربح، ولكنها تسمّم الإنسان في نهاية المطاف.
ويسير ذلك وكأن قضية «جنون البقر» وعـلاقتها مع التغذية الاصطناعية للمواشي، لم تستوعب كلياً. لذا، يحضّ الكاتب على ضرورة التحوّط بشدّة من الأطعمة المعلّبة. ويستعيد الكتاب مقولة «نحن بالضبط ما نأكل»، مشيراً إلى أن معظم جينات البشر ما زالت على الوضع الذي كانته في العصر الحجري، فيما تغيّرت معادلة الأغذية بأثر من تصاعد الأرباح، وليس بفعل دراسات عن مدى ملاءمة هذه الأطعمة للبشر وبنيتهم وتركيبتهم بيولوجياً. ويتحدث الكتاب بأسى عن واقع ان الأغذية مسؤولة عن ثلاثة أرباع عمليات التدهوّر في البيئة، خصوصاً تضرّر المصادر الطبيعية للكرة الأرضية.
وعند قراءة هذا الكتاب، يصعب عدم التفكير في الأوضاع التي تعيشها الدول العربية. إذ يتحول الارتفاع في الدخول، وهو عنصر إيجابي عموماً، الى عامل سلبي بأثر من هجران الأطعمة المُحضّرة منزلياً، وعدم الالتفات الى أهمية الاعتماد على الخضر والفواكه في مواسمها. والأدهى من ذلك هو انتشار ظاهرة المآكل السريعة «فاست فود» في صفوف الأطفال والشباب.
وغالباً ما يرى هؤلاء أن الأكل الغربي السريع هو علامة تقدم، فيما ينظر الى المأكولات الشرقية والمتوسطية التقليدية وكأنها علامة تخلّف. واستطراداً، شرع بعض الأطباء والعلماء في التركيز على عواقب مأكولات الـ «فاست فود» وأشباهها، ورفع الوعي بمزايا الطبخ التقليدي مع الإشارة إلى ضرورة تحديثه وإدخال تغييرات عليه، خصوصاً التقليل من الدهون والملح والسكر فيه.
صحيفة الحياة




█║▌│█│║▌║││█║▌│║█║▌
النّاجحون يبحثون دائماً عن الفرص لمساعدة الآخرين بينما الفاشلون يسألون دائماً ماذا سوف نستفيد نحن من ذلك
إرسال مساهمة في موضوع
اعلانات مشابهة