KW

ليلى وفرن الصمود

matrix@man
معلن جديد
معلن جديد
ذكر
الجنسية :
عدد المشاركات عدد المشاركات : 303
تقييم المشترين تقييم المشترين : 0
العمر العمر : 23
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

في الأربعاء 14 يوليو - 14:48

بسم الله الرحمن الرحيم
ليلى وفرن الصمود



فتح "عبد الله " فرنه .. رفع اكمامه ، وضع المريول على خصره ، ثم بدأ يكيل الطحين ويديره في وعاء العجين الكبير . لم يكن فرنه كبيرا متطورا ، لكنه كان فرنا صغيرا مرتبا يخدم اهل الحي خارج مدينه نابلس القديمه ..وضع الطحين في العجانه ، اضاف الخميره و الملح وادار صنبور الماء، وبدأت الاله تدور وتعجن ..

هكذا كان هو عمله .. يترك بيته قبل ان يترك احد بيته .. وقبل ان يؤذن الصبح او تشرق الشمس .. يذهب الى الفرن ، يعجن العجين ، ويغطيه ويتركه ليتخمر .. يرتب الواح الخشب ، يحمي الفرن ، ثم يذهب ليصلي صلاة الصبح في الجامع .. وعندما يعود تكون زوجته قد ارسلت ابريق الشاي المحلى مع ابنتيه ..

"عبدالله البحش " فران اخذ مهنته عن ابيه وجده وهو لاينسى كم حمل في صغره من الواح الخشب ، وكم رق العجين ارغف مستديره لا ينسى كم حمل من الفرن اطباق الخبز لاهل الحي ، وكم خبزمناقيش الخبز بالزعتر والبيض وصواني اللحم والكفته ، وقد اصبح عنده اليوم الات اتوماتيكيه تلبي احتياجات اهل نابلس المتزايده ..

وهو فران نشيط يحب عمله ويحب خدمة اهل مدينته ، لكن عمله منذ مده بدأ يتراجع لم يعد اهل نابلس كما كانو من قبل .منذ ان دخل الاحتلال الصهيوني مدن فلسطين وقراها ؛تغير الحال ، من كان يشتري عشرة ارغفه اصبح يكتفي بخمسه .. ومن كان يخبز عشرين رغيفا اصبح يخبز عشره اختفت عرائس الخبز‘ تلك كانت لافطار ايام الهناء و السعاده قبل الاحتلال ؛ اما اليوم فقد اصبحت الحياه قاسيه صعبة .. واصبح الوصول الى الفرن صعبا محفوفا بالمخاطر ..
نظر عبدالله الى الشارع امام فرنه ، فوجد الاطفال والشباب والرجال يواجهون الجنود والسيارات العسكريه الاسرائيلية ، منذ ايام والشوراع تمتلئ بالحواجز الحجريه والمطاطيه وتتصاعد المواجهه مع جنود العدو منذ ايام ابتدأ شكل جديد من اشكال نضال الشعب الاعزل ضد الاحتلال الصهيوني منذ ايام ابتدأت الانتفاضه ..

عادت الى ذاكرة عبدالله احداث ذلك النهار منذ ثلاثة اعوام عندما كانت ابنتاه " عائشه و فدوى " تحملان ابريق الشاي وتنتظران عودته من الجامع كانت فدوى تجلس على اكياس الطحين ، بينما تقف عائشه بالباب تنتظر مجيئه ليضع في جيبها المصروف اليومي .. يومها لم يضع المصروف في يدها ولم يضع العجين على الواح الخشب كالمعتاد . يومها لم يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف لقد رأى سيارة أحد المستوطنين الصهاينه في المستعمره القريبه من نابلس وهي تعود ادراجها بعد اطلاق الرصاص . فوجئ بابنته عائشه وقد ارتمت على ارض امام الفرن ، وبابنته فدوى وقد ارتمت على اكياس الطحين .. لم يكن هناك سبب واحدا ليطلق هذا المستوطن الاسرائيلي النار على بناته وفرنه ، حمل عبدالله ابنتيه على الواح الخشب وانطلق مع شباب الحي الى مستشفى "الحاجه عندليب العمد " .. بينما هرب القاتل الى المستعمره القريبه " الون موريه ".

منذ ذلك النهار تعاظم الامر في نفس عبدالله كيف ياتي هؤلاء الصهاينه ليحتلو ارض فلسطين وليقتلوا ابناءها كيف ياتي هذا المستوطن الاسرائيلي ليسكن قرب نابلس ثم يقتل ابنته عائشة قد يجيء الغريب الى الارض ، وقد يطلب المساعده من اهلها ، وقد يعمل فيها ولكن ان ياتي بنواياه الخبيثه ليحتل مساكنها ويقطع اشجارها ويقتل ابنائها ؛ فهذا ما لايقبله انسان .
منذ "استشهاد عائشة " تغير حال عبدالله وزوجته ليلى .. تمنيا لو يستطيعان رؤية ابنتهما عائشة ، او ان يعيدا لابنتهما فدوى ساقها سليمه وقد انطوت ليلي على نفسها و على شعورها الحزين فاحتضنت بناتها الصغيرات ، ولم تعد تغادر المنزل الا للضروره اما عبدالله فكان دائم التفكير بالانتقام لمقتل ابنته عائشه ولاحتلال مدينة نابلس ولوجود المستعمرات الصهيونيه في فلسطين ..

منذ ان قامت الانتفاضه في مدن فلسطين وقراها تغير كل شي ، الانتفاضه غيرت الناس داخل فلسطين وخارجها وقد احس عبدالله بالانتفاضه تقلب حياته راسا على عقب احس انها فرصته للعمل الذي كان ينتظره الم يقدم فرنه هذا ومنذ ثلاث سنوات ابنته الشهيده عائشه ؟ الم يكن يتمنى الانتقام لها والدفاع عن ارضه المحتله ؟ نظر عبدالله الى الشباب الملثمين في الخارج ثم قام بهمه ونشاط ، رق الارغفة وخبزها وصفها على الارفف الامامية ولما جاء احدهم يطلب شراء رغيفين قال له عبدالله : الخبز مجاني كل هذه الارغفه لكم لاهل نابلس ،لشباب الانتفاضه كل فرد او عائله تاخذ ما تحتاج من الارغفه وساخبز لكم ما تريدون مجانا من اليوم فصاعدا كل عملي وجهدي هو للوطن ولابنائه الثوار من كان يملك ثمن الخبز يدفع في هذه السله ؛ ومن لايملك ياخذ قدر حاجته وساسمي هذا الفرن فرن الصمود .

لقد بدات المعركه ... ونحن لها .....

ستة اشهر مرت على الانتفاضه ، وليلى زوجة عبدالله لا تغادر بيتها الا للضروره سته اشهر وهي تعتقد ان حماس زوجها سيخبو وان الانتفاضه سوف تتوقف كانت كلما راته يعمل من اول النهار الى اخره ، يؤمن الطحين والسولار لفرنه حتى لا ينقطع الخبز عن الناس ،
تقول : لابد انه سيمل ولابد ان الانتفاضة سوف تتوقف فالى متى سيتحمل الناس "القله " و "التعب " و " الشقاء " ستة اشهر وليلي تتابع اخبار الانتفاضة عن بعد وتتعمد الا تتدخل في الحديث عنها مع زوجها و تتساءل : الى متى سيبقى الحال هكذا في مدينة نابلس ؟ متى تعود المدينة الى هدوئها و أمنها ؟ متى يعود الاولاد الى مدارسهم ، و الرجال الى اعمالهم من دون خوف ؟ متى تفتح المحال التجاريه ابوابها ؟ متى ينتهي السجن والاعتقال .. متى .. متى .. .. ؟؟

كانت ليلى امراة فلسطينيه عاديه تحب ارضها وتحب الناس ؛ لكنها كانت تكره القتل والعنف لقد اثر فيها مقتل ابنتها عائشة دون ذنب فهل ستفقد - لاسمح الله - زوجها ؟ .. أم هل ستبقى حبيسة البيت خوفا من الاسرائيلين ؟ .

وقفت الجاره أم اسماعيل وعشرات النساء والرجال والاطفال بهدوء غريب في الشارع و رغم عدد الناس الكبير ، الا ان الشفاه لم تتحرك العيون وحدها هي اللي كانت تتحرك كلها كانت تنظر الى اعلى السماء والى عمود الكهرباء وشجرات السرو العاليه في ذلك الشارع وقف الناس والجنود الاسرائيليون يراقبون اربعة من الشباب يصعدون عمود الكهرباء ومئذنة الجامع وشجرتي سرو وقد انشدت الاعصاب كلها ، فلما نزل الشباب و رمى الجنود الاعلام على الارض ، وداسوها باقدامهم ضج الشارع بالحركة مره اخرى ، وتباعد الناس الى بيتوهم يتغامزون متى ارتفع هذا العلم الفلسطيني الى العمود ؟ اي ايد طاهرة اوصلته الى شجرة السرو ؟ متى يخيط الناس هذه الاعلام ؟ ومتى يزرعونها على مآذن الجوامع ؟

تباعد الناس الى بيوتهم ، و لكن احد احد الجنود الاسرائيلين اشار الى ام اسماعيل واربعة من النساء الاخريات كي ينظفن الشارع من الحجاره بينما اقتادوا مجموعه من الشباب الى "العماره" للتحقيق معهم !!
ادخلت ليلى بناتها من عن شرفة منزلها اقفلت الباب وراءهم بالمزلاج والمفتاح انزلت الاباجورات ، فهي لا تريدهم ان يشاركو ولو" بالفرجه "على احداث الانتفاضه . ولكن فدوى في تلك الليله قامت تطل من ثقب من النافذه ، فاذا بها ترى احمد ابن جارتهم " ام اسماعيل " يتسلل من منزله حاملا عصا طويلة ، ويصفر صفيرا عاليا ، ومن بيوت قريبة سمعت الصفارات ترد التحيه على صفير احمد ، وبعد ثوان كان عشرات الشباب الملثمين يخرجون الى الشارع يكسرون لمبات الاناره في مصابيح الشوراع فلما عم الظلام الشارع ؛ شاهدت فدوى "الاشباح" تتسلق المرتفعات !!

في صندوق فرن الصمود جمع عبدالله مبلغا من المال يكفي لشراء خمسة اكياس جديده من الطحين كان من يملك نقودا يدفعها مقابل ما ياخذ من الخبز ومن لا يملك يأخذ من الخبز قدر حاجته كان اهتمام عبدالله " واللجنه الشعبيه في قيادة الانتفاضه " تأمين الخبز لكل اهالي نابلس فأي بيت يجد الخبز سيصمد وسيواجه الاعداء ..

ولكن عبدالله بدا يواجه مشكله كبيره ، بدأت تطل برأسها منذ ايام لقد نقص "السولار" من محطات الوقود في المنطقه كلها ، وقد اضطر ان يشتري كميات اضافيه من محطة قريبة للضروره ، وازداد النقص حتى انقطع نهائيا قطعته حكومه الاحتلال ومنعت وصوله الى كل مدن فلسطين ..

نظر عبدالله الى مخزون السولار في بيته فرأى فيه وفرا فقال لزوجته : أرى عندك مزيدا من السولار... نعم اوفر استعماله كما ترى ، فلا اشعل المدفاه الا في ساعات البرد القارص .
اريد ان اخذه يا ليلى الى الفرن ، فلقد انقطع السولار من كل مكان ... كيف تأخذه ؟ ونحن ماذا نفعل ؟ تلبسين انت و اولادك مزيدا من الملابس ، وتضعون الحرامات الصوفية .

ثارت ثائره " ليلى " فكيف تصبر هي و بناتها الصغار على البرد ؟ الا تنتهي مشاكل مدينة نابلس ؟ الا تنتهي الانتفاضة ؟ ألن ينتهي الاحتلال ؟ متى تنتهي يارب .. متى ؟؟

عشرة اشهر مرت على الانتفاضة وعبدالله يداري زوجته ويحترم شعورها ونفسيتها عشرة اشهر وهو يتوقع ان تغير من موقفها وان تتعامل مع الانتفاضه بشكل اخر فهل ستبقى على سلبيتها يا ترى ؟ منذ ان بدأت الانتفاضة ملآت الفرحه قلب عبدالله ، وازدادت ثقته بنفسه ، واعتداده بكرامته وكرامه ابناء بلده ، فلماذا لا تشاركه زوجته موقفه ؟؟ صحيح ان مشوار الحرية طويل و انه شاق وصعب ، وانه قد يسقط مزيدا من الشهداء وقد يسجن مزيد من الشباب . لكن

وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجه يدق

خمسة ايام متتالية لم يخرج عبدالله ولا زوجته ليلى ولا البنات من منزلهم لقد فرض العدو منع تجول على مدينة نابلس والتزم اهل المدينه بالامر فقبعوا في البيوت لا يبرحونها كان الامر سهلا على ليلى وبناتها ، فهي قد فرضت على نفسها منع تجول الزامي خاص بها ولكن عبدالله لم يكن يطيق منع التجول ابدا ، فكيف يعيش الناس من دون الافران ؟؟
قالت الجاره ام اسماعيل من شرفة بيتها تحدث عبدالله : " ايه يا جارنا يفرجها الله الناس بتدبر حالها انت نسيت بوابير الكاز القديمه يا جارنا ؟ لا تخاف على الناس طنجرة عدس بتكفيهم ، حبة زيتون تشبعهم الجوع مش مهم المهم الصمود حتى يزول هالاحتلال "

سكتت ام اسماعيل ثم قالت : " انظر الى قطعة الارض الصغيره التي تحيط بالدار ؟ لقد زرعناها شوية بندوره على بصل على فول اخضر على باذنجان وها نحن ناكل منها ومرتاحين المهم الايرتاح العدو لا ليل ولا نهار " .... واذا طال الحال ؟ " يطول مهما يطول يا جارنا احنا قررنا ومش رح نرجع عن قرارنا لا يهمنا شي ولا نخاف من شي العمر واحد والرب واحد واذا كان الانسان مقدر عليه من ربه ساعة موته ، فليمت وهو مرتاح البال وراحة بالنا الان هي في التصدي لجنود الاحتلال "

كانت زوجة عبدالله تسمع الحديث باستغراب فأم اسماعيل هذه قد اعتقل ابنها اسماعيل قبل الانتفاضه كان في صف التوجيهي ويذهب كل يوم الى المدرسة "حسب الاصول " لم يكن أحد –حتى امه – قد احس بالتغيير الذي جرى عليه وبازدياد تغيبه عن بيته وعندما سالت صديقه يوما عنه ، لم تجده ، بل فوجئت ان ام صديقه هذا ، تقول ان ابنها عند اسماعيل نفسه لدراسه الفيزياء وقد ارتابت منذ ذلك اليوم بالأمر واحست ان ابنها يخبئ عنها امرا ما واشتكت لجارتها ليلى عن مخاوفها

كان ابنها يحضر في المساء متعبا منهكا لا يقوى على الحديث وتكرر غيابه عن المدرسه والبيت ، فلما جاء الجنود الاسرائيليون في ذلك المساء الى منزل ام اسماعيل عرفت ليلى الامر دفعه واحده ولما جرت محاكمته بعد اشهر وعلمت ان قد سجن تسعة عشر عاما ، ابتدأت تبتعد عن جارتها ومشاكلها فهل ستسمح لزوجها وبناتها ان يستمعوا لافكار ام اسماعيل هذه ؟ جرت " ام عائشة " بناتها من الشرفه وطلبت من زوجها الدخول لاقفال الباب بالمفتاح والمزلاج .
لم تكن الساعه قد جاوزت الخامسه صباحا عندما دق الباب دقا عنيفا متقطعا ، واطلت فدوى من فتحة الباب واذ بمجموعه من الشباب الملثمين بالحطات يلحون عليها بفتح الباب للجوء والاختباء عن عيون الجنود الاسرائيلين كانوا مجموعه من الشباب قد فروا من امام دورية عسكرية فاجأتهم ، فتفرقوا بين البيوت القريبة ..

وانطلقت فدوى لوالدتها لتساعدها على فتح الباب واحتارات ليلى وترددت لحظات هل ترك الشباب بالباب يواجهون العدو وقد استفرد بهم وحشرهم في هذه الزاويه ، ام تفتح لهم الباب وتخبئهم وتتعرض للجنود يستجبونها ويدخلون بيتها ؟؟

لم ترد ليلى ان تتدخل في مشاكل الانتفاضه أو أن تعرض بناتها على الجنود الاسرائيلين فماذا تفعل وهي تحس اللهفه في صدروهم ؟ لابد انهم هاجموا الدورية عن بعد ، ورموها بحجارتهم فلما نزل الجنود من سايراتهم ولحقوا بهم ، انسحبوا الى الخلف تحسبا من اسلحتهم وقد شاهدت بعضهم يركض في "الحواكير" الخلفيه او يختبئ في الازقه الضيقه فماذا تفعل لهؤلاء الذين استنجدوا ببيتها

وبهدوء لم تعهده ليلى في نفسها من قبل وكأن الله انزل سكينتة على قلبها فتحت ليلى الباب وادخلت الشباب واعادت المفتاح والمزلاج ..

ثوان وكان طشت الماء قد امتلأ بالماء ووضعت فيه بنطلونات الجيبنز وكنزات صوفيه و تحتها وضعت الحطات الفلسطينيه ثوان وكان الماء البارد ينزل على راس احد الشباب للاستحمام ثوان و كان السرير قد نام فيه شاب لم يعرف النوم النوم الى جفونه سيبلا .

وبعد قليل وقفت ليلى تمسح يديها من الماء والصابون ، وتنكر انها رات احدا يمر من هنا كل ما رأته شبابا يقفزون الى الحواكير الخلفيه بين البيوت و الاشجار !!
وبعد ساعه كانت ليلى تقف على الشرفه وتنادي على جارتها ام اسماعيل : يا ام اسماعيل انتبهي لابنك احمد فقد يأخذونه الى السجن .... " الله يحيمه ويحمي كل الشباب يا جارتنا .. والله قلبي على كل الشباب اللي في عمره بس شو اعمل ؟ لا احد يقدر يمنعهم من الاشتراك في الانتفاضه " .... واذا سجن لا سمح الله ؟

" اذهب وازوره هناك أراه مع اخيه اسماعيل انت تعرفين انني اذهب الى السجن هناك كل يوم جمعه اشهد اسماعيل نصف ساعه فقط فإذا اخذوا احمد ازورهم الاثنين معا أتدرين يا جارتنا ؛ اسماعيل وصاني ان لا امنع احمد من المشاركه في الانتفاضه قال لي يما.. اياك يما .. ان تمنعي احمد من القيام بدوره مع شباب الانتفاضه اياك يما.. وانت يما.. لا توفري روحك وتنحبسي في البيت اخرجي في المظاهرات واحمي الشباب وساعديهم في كل ما يريدونه الله يخليك الثوره بدها الشعب رجاله ونساؤه وأطفاله لا تتردي ابدا في حماية الشباب و توفير احتياجاتهم .

قالت ليلى وهي تخفض صوتها خشية ان يسمعها احد : و هل تساعديهم حقا ؟ هل تخرجين في المظاهرات ضد الجنود الاسرائيلين ؟ هل ترمين الحجاره على السيارات العسكرية ؟ هل تقبلين بحمل اطارات السيارات المطاطيه وحرقها في مداخل نابلس ؟ والله لو كان أحمد ابني وعلمت انه يضع الاعلام في الليل على رؤوس الاشجار والمآذن أو أعمدة الكهرباء ، لما سمحت له الخروج ابدا من عتبة الدار هذه ابدا .

- قال ام اسماعيل ببراءه : " ولو يا جارتنا والله انا خايفه الان بس لانك حامل وبناتك صغار اما لو كنت مثلي لما خفت ابدا ولما منعت نفسك من مساعدة الثورة . اي والله امس ذهبت الى مستشفى الحاجه عندليب العمد قالوا ان هناك شبابا قد جرحهم العدو و نزفوا و هم بحاجه الى دم وقد ذهبت للتبرع بدمي فوجدت عشرات من النساء والرجال قد تقدموا قبلي للتبرع بالدم اي والله يا جارتي كنا كلنا فرحانين ان ننقذ جريحا بدمنا لقد اخذوا دما اكثر من حاجتهم بعشر مرات وعلى فكره انا تعلمت الاسعافات الاولية واذا احتجتيني انا مستعده اساعدك في اي وقت كان ..
لم تتفوه ليلى ببنت شفه قالت في نفسها : اي نوع من النساء انت يا ام اسماعيل ؟ اي قدره على الصبر والعطاء وقد زرعها الله في قلبك ؟ واي ثوره كبيره تملأ جوانحك فلا تكلين ولا تملين اي امراة فلسطينيه انت .... دخلت ليلى المنزل واغلقت الابواب ..

استيقظ عبدالله مبكرا كعادته ، ولكنه لم يجد زوجته ليلى في فراشها .. فهل يكون موعد ميلادها قد حان ؟؟؟ كانت تحس بالقلق الشديد تجاه حملها هذه المره هل كان ذلك بسبب احداث الانتفاضه و منع التجول وصعوبة الوصول الى المستشفى ؟ ام كان لرغبتها الكبرى ان يكون ما في بطنها ولدا ذكرا ، ابنا لوالده وأخا لأخواته الاربع ؟

تركت ليلى فراشها واتجت الى الشرفة في عتمة الظلام ، نظرت الى النجوم والقمر وآيات الله ثم رفعت يديها الى السماء واخذت تدعو الله من كل قلبها يارب ولد يارب يارب أرزقني بولد يارب ارزقني بولد " ..

واحست ليلى باحد يمسك ذيل فستانها من خلفها ،فخافت فإذا ابنتها الصغرى ذات العامين قد استيقظت ولحقت بها تمسك ذيل فستانها فاحتضنتها وقالت لها " قولي معي يارب ماما تولد ولد " فلم تفهم البنت ما تقول ، فاعادت عليها امها الكلام علها تكرره ، وعل الله يستجيب لدعوة الصغيره البريئه ..

وسمع عبدالله فأقبل على زوجته يحتضنها بحب وعطف ويقول : يا ليلى البنات والاولاد نعمة من الله .. والله ما عندي فرق بين البنت والولد كلهم مثل بعض قالت ليلى وهي تغالب دمعها
لا ، انا اريد ولدا .. اريد ولدا يحمل اسمك ، واخا لبناتي يقف معهن . حتى انت في قرارة نفسك تريد ولدا لقد قلت لي مره انه اذا رزفنا بولد فسوف نقص شعره اول مره في مدينه الخليل الابراهيمي ؛ فكيف تقول الان انك لا تهتم اذا كان المولود ذكرا كان ام انثى ؟

كله رضا من رب العالمين يا ليلى، واجشهت ليلى بالبكاء واحتضنها زوجها بحنان فهو يعلم ان ما تعانيه في هذه الايام يفوق قدرتها على التحمل وانه ليس فقط موضوع الولد والبنت ؛ بل ان جميع الناس في نابلس يعانون الكثير في هذه الايام ؛ و لكنهم يتحملون ويصبرون هو نفسه يعاني من صعوبة العمل في الفرن وقلة النقود بين يديه ويعاني من منع التجول الذي يستمر احيانا اياما واسابيع ولكنه يتحمل و يصبر ، بل يشعر بالكرامة والكبرياء في سبيل وطنه ..

وتوقف قليلا فهل صحيح انه لن يتضايق اذا انجبت زوجته بنتا خامسة ، لقد كان هو الاخ الوحيد لاربع بنات وهو ما يزال يذكر كيف كان "الاثير"عند والديه لايزال يذكر فعلا كيف كان شعره طويلا كالبنات ،الى ان اصبح عمره سبع سنوات كان يسمع امه تقول انها نذرت ان تقص شعره في الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل لم يكن يعرف اين تقع مدينة الخليل هذه ولماذا هي بالذات الا يوجد صالونات حلاقه في مدينة نابلس ؟ والده يقص شعره كل اسبوع في نابلس فلماذا لا يقص هو شعره عند نفس الحلاق ؟

قالو نصلي اولا في الحرم الابراهيمي ثم نقص شعرك قال : يوجد في نابلس جوامع كثيره فلماذا الحرم الابراهيمي ؟

و مع ذلك كان فرحه بالسفر مع والديه يوم الجمعه كبيرا .
يومها سارت السياره مدة ساعه او اكثر ووصلت الى بساتين وكروم العنب واشتروا صناديق العنب والتين "والملبن" يومها استغرب من "الملبن " فهو لم يسمع باسمه من قبل ... قالوا له انه "عجينة العنب " فاستغرب اكثر : وهل للعنب عجين كما للخبز الذي يراه في فرن والده ؟ ثم اشترى والده مزهريات و ثريات وقناديل من الزجاج الملون بالالوان الجميله الجذابه من صناعة اهل الخليل واشترى بساطا كبيرا لا يزال في منزل والده الى اليوم يومها احس انا اهل الخليل "شاطرين"في كل شي حتى انهم يصنعون الصابون الذي يتباهى اهل نابلس بانهم امهر الناس في صناعته ..

كانت اياما جميله تلك الايام كل شي في نابلس كان جميلا فهل يعود لنابلس هناؤها وهل سيعيش ابنه ان ولد مثل تلك الايام ؟

كل حدث في نابلس ومنذ بدأت الانتفاضه كان يثير الدهشه عند ليلى ؛ مصابيح الشوراع يكسرها شباب الانتفاضه الاعلام الفلسطينيه تخاط وترتفع على اعمدة الكهرباء واشجار السرو و مآذن الجوامع الامهات يقدمن لاولادهن الحجاره لرميها على جنود الاحتلال اطارات السيارت يحرقها المواطنون امام الدوريات العسكرية الاسرائيلية .

شباب بعمر الورود يعتقلون او يسقطون شهداء فتزداد الثوره اشتعالا ، دكاكين ومحلات تجاريه تفتح او تقفل تبعا لبيانات "القيادات الموحده للانتفاضه ". تعاطف وتآخ بين الجيران لا مثيل له .. اكياس صغيره من الارز والسكر والسمن وبعض اللحم و الخبز توزع على أبواب المنازل لا يدري أحد من وضعها ومتى ؟ وقد كتب عليها : " من لجنة الانتفاضه لك ولجيرانك المحتاجين " كل احداث نابلس تثير دهشة ليلى بل العالم كله من هم قاده الانتفاضه هذه من اين لهم الاموال لدعم صمود الناس وتأمين حاجياتهم ؟ من الذي يصدر البيانات الشهرية للانتفاضه ؟ ومن يوزعها ؟ ومتى ؟
كل يوم تعتقل الحكومه الاسرائيليه عشرات و مئات المواطنين ، وتعلن انه باعتقالهم ستوقف الانتفاضه ؛ فهم "قادتها"امتلأت السجون بالشباب و الفتيات و لم تتوقف الانتفاضه كل يوم يخرج اسحق شامير وشمعون بيرس واسحق رابين ، رؤساء ووزراء حكومات اسرائيل " يقولون انهم سيقمعون الانتفاضه حالا وخلال ايام فقط ، فتطول الايام ولا تقمع الانتفاضه ولا تتوقف ..

عندما خرج عبدالله من بيته الى فرنه رأى حشدا هائلا من الناس يملأون الشارع ، وسمع الهتافات تملأ الافق وتصل الى عنان السماء وجد الشاب ملثما يحمل علما فلسطينيا كبيرا ومن حوله بعض الشباب يحملون شيئا صغيرا و شاهد شابا اجنبيا اشقر الشعر يصور بكاميرته السينمائيه ما يجري في المظاهره .. كانت مجموعه كبيره من النساء يحطن بامرأه تصرخ وتبكي ولم يستطع عبدالله ان يميز ما يجري ثمة امر غريب كان في مظاهرة اليوم اقترب عبدالله يستطلع الخبر حاول الاقتراب واذ به يرى جارتهم ام اسماعيل فقال لها : ما الامر؟

" جيراننا في الشارع المقابل يا جارنا ابنهم عمره يومين اثنين فقط والله يومين ، انا ساعدتها في الولاده مع القابله أول أمس " .. ماذا جرى له ؟ " مات .. قال اختنق بالغاز ومات يا عيني على امه لساها تعبانه من الطلق والميلاد " وكيف وصله الغاز ؟ " من جنودهم يا جارنا من جنود اليهود كانت امه يا عيني فاتحه الشباك ، قال بدها شويه هواء نظيف يدخل الغرفه فدخلت قنبلة غاز ، روموها يا جارنا داخل البيت والولد الصغير لم "يلبط" دقيقه واحده ومات أي هو يا جارنا صدره رح يتحمل الغاز ؟ قال ابو عبدالله وهو يغادر المكان متجها الى فرنه تاركا المظاهره والجنازه .
ارجوك يا ام اسماعيل ؛ لا تخبري ليلى عما جرى . فلا اعتقد ان اعصابها تتحمل هذه الاخبار ، سيما وانها تتوقع ان تلد قريبا .. انطلق عبدالله فلديه اليوم في فرنه " عمل مهم خاص "

كانت عائده لمنزلها تحمل شنطه صغيره وقد راتها فدوى فبادرتها قائله .. هل تسافرين يا خالة ام اسماعيل ؟ " ثالث مره يا بنتي اقدم طلب للحاكم العسكري ليسمح لي بالسفر الى عمان فيرفض ..كل يوم اذهب واقول اجرب حظي لعلهم يرأفون بحالي " .... ولماذا تسافرين ؟ اخي يا بنتي اعطاك عمره .. مات في عمان ..

وكيف توفي ؟ " توفي يا بنتي بالسكته القلبيه وعنده ثماني اولاد الاعمار بيد الله يا بنتي .. والله لو كان في عمان والا نابلس والا في القمر وأجا اجله فسيموت .. وهذا الحاكم العسكري " الله يقطعه ويقطع اسمه " يمنعني من السفر .. والله انا لولا كان املي ان ارى اخي قبل دفنه لما طلبت السفر .. وكل يوم احاول فلعلي أرى أولاد أخي وزوجته وأواسيها في محنتها " ولماذا لا يسمح لك بالسفر ؟

" احتلال يا ابنتي احتلال !! والمحتل وظيفته يعذب اهل البلد .. قال يريدني ان ادفع ما يقارب مائتي دينار " لدولته " قبل ان يسمح لي بالسفر تصوري مائتي دينار مقابل ان يسمح لي بالسفر في ارضي العربيه وأنا والله لن ادفع والله اذا اصر على الدفع فلن اسافر اطلاقا اي انا لولا الشديد القوي وحب أخي الله يرحمه ما رحت "العماره" اترجى اولاد (..) أي يا بنتي : ابني اسماعيل الله يرضى عليه اللي في السجن قال الي كيف تسافرين الى عمان يا امي في هذه الظروف قلت له : خالك اشوفه قبل دفنه .. قال : يما اوعي تسافري في هذا الوقت اللي يترك ارضه وقت الحرب مثل الذي يتولى الزحف اي يهرب من امام جنود العدو ومن يهرب من امام العدو فأن الله بغضب عليه .. انا الحقيقه ضحكت يا بنتي على اسماعيل ابني يعني انا معقول اهرب من الانتفاضه ومن ومواجهة جيش اسرائيل " لا والله ابدا ولكن ربنا ينتقم لي من هالحاكم العسكري ومن اولاد الحرام اللي في "العماره" اللي بيعذبوا الناس
أنهى عبد الله مشروعه الخاص والمهم في فرنه ولم يكن احد يدري ماذا يفعل في الفرن في ساعات انتهاء الخبيز ولم يدر احد اسباب خروج اكياس الطحين ملأى بمادة غير الطحين من فرنه .. كان سرا احتفظ به مع بعض شباب اللجنه الشعبيه للانتفاضه ماذا كانوا يعملون في الفرن ساعات وساعات وهو مقفل من الخارج ..؟ ماذا كانوا يبنون تحت الفرن ؟ لماذا كانت اكياس الرمل والاسمنت تخرج وتدخل بالسر الى الفرن ؟ واين كانت تذهب ؟ المهم ان عبدالله قد أنهى العمل في المشروع فاقفل فرنه وعاد الى البيت ،ليطمئن على زوجته قبل ذهابه الى الصلاه ..

في كل يوم جمعه يذهب عبدالله الي بيت والده في الحاره القديمه في "الياسمينه " ، ليصلي مع والده في جامعها في كل يوم جمعه يسترجع عبدالله في ذهنه احلى ايام طفولته وشبابه في حاره الياسيمينه وهو لن ينسى ابدا يوم الاحتفال بانهائه قراءه المصحف عندما كان صغيرا كان الاحتفال كبيرا لا يزال يذكره بتفاصيله الدقيقه كان في الثانيه عشره من عمره لايزال في المدرسه ، وكان والده ينتظر ان يختم قراءة القرآن الكريم ليقيم الاحتفال "بختم المصحف" كل اهل نابلس يقيمون احتفالا مميزا عندما ينهي ابنهم قراءة المصحف ، وعبدالله الأبن الوحيد فكيف لا يحتفل احتفالا مميزا به ؟ عند النجار وصى الاب على " كرسي الختمه الخاص " الذي يزين بالقماش الابيض والحرير والقصب .. عند الخياط خاط الاب بدله كحليه رسميه لعبدالله .. ومن السوق اشترى له كل الملابس الداخليه وحتى الحذاء الجديد .. لم ينم احد في ليلة الاحتفال . كانت اخواته يخطن القصب والحرير "بيتا" للمصحف الشريف وقد لبس عبدالله كأنه عريس وحمل المصحف الشريف المطرز وقصد مدرسته ، محاطا بالشباب يدقون الطبول وينقرون الدفوف ويغنون المدائح الدينيه وارتفعت الاصوات وهي تقترب من المدرسه ، وارتفعت دقات عبدالله ووقف تلاميذ المدرسه على النوافذ والابواب ليروا موكب زميلهم وكرسي الختمه .
وصل الكرسي على ظهر سياره تطلق ابواقها وتسير امام "الموكب " ودخل الاهل والاقارب والجيران المدرسه ..واستقبلهم المدير و المعلمون ، وتحلق حولهم الطلاب وحمل الشباب "اسفاطا" من الحلوى النابلسيه يقدمون منها للمدير والمعلمين ، ونثروا على روؤس الطلبه : "صررا "من الملبس وعلا صوته الزفه ونقر الدفوف ودق الطبول وشارك طلاب المدرسه بترديد الاغاني والمدائح النبويه وانطلق جميع الموجودين يتقدمهم عبدالله والده يجوبون الشوراع والطرقات في حي الياسيمينه ، ويتقبلون التهاني والتبريكات .. وفي البيت جلس عبدالله على كرسيه المزين يتقبل التهاني من الجيران والمعارف والاصدقاء وبقي حديث الحفل اياما واسابيع بل ظلت ذاكره لا ينساها عبدالله ابدا .

وصل عبدالله الى منزل والده واطمأن على والداته والجيران وامسك بيد والده ونزلا معا لصلاة الجمعه في الجامع القريب كان جامعا متواضعا قديما ولكنه كان يغص بالمصلين من كل الاعمار وحتى الاطفال.

كان خطيب الجامع ينادي للصلاة دون مكبر فمنذ ان بدأت الانتفاضه أزال الحاكم العسكري لمدينة نابلس مكبرات الصوت عن مآذن الجوامع ، واعتبر وجودها خطرا على امن الدوله ذلك لان ترديد عبارات " لااله الا الله " في غير وقت الصلاه كان يعني ان امرا خطيرا قد حصل ، فيخرج كل اهل نابلس من بيوتهم يرددون معا "لا اله الا الله" فتشتعل المنطقه بالمظاهرات .

بدأ الخطيب خطبته فأنصت الحضور وما هي الا لحظات حتى علت همهمه بين الصفوف الاماميه من المصلين ثم تحولت الى اصوات ترتفع رويدا رويدا وغاب صوت الخطيب وابتدأ الضجيج والصخب وارتفعت سحابة دخان رماديه تتلوى وتنتشر في اجواء القاعه وبدأ المصلون يسعلون ويعطسون ويتدافعون نحو الابواب والشبابيك ..
اي منظر غريب رأه عبدالله اليوم ؟ الناس يتدافعون الى الابواب والشبابيك تاركين صلاتهم وسحابة الدخان تنتشر وتعلو في الجو .... فوجئ عبدالله بوالده وقد امسك برقبته يشدها فاتحا فمه محركا رأسه كالمذبوح كان شيخا مسنا فما ان استنشق رائحة الغاز حتى اغلق صدره فلم يستطع الا العطس والا الاستنشاق ..... في ثوان كان عبدالله يجر والده جرا للوصل به الى الباب القريب وبعد دقائق كأنها الدهر ارتمى الوالد في ساحة الجامع يغالب الموت والاختناق وجلس عبدالله قربه يسعل سعالا شديدا ودموعه تسيل على خديه .

كان كل من في الجامع قد ارتمى على الارض والسيارت الاسرائيليه تسير في الطريق الرئيسي عن بعد تشاهد ما يجري بينما يطلق احد المستوطنين الاسرائيلين بعض الرصاصات من مسدسه في الهواء وعاد الى ذهن عبدالله منظر المستوطن الاسرائيلي الذي اطلق الرصاص من سيارته قبل مده واسترجع منظر ابنتيه عائشه وفدوى وقد ارتمتا على الارض وعلى اكياس الطحين وغامت الدنيا في عينيه ولم يعد يحس بشئ .

بعد ثلاث ساعات او اكثر فتح عبدالله عينيه فإذا به في المستشفى سأل عن والده فإذا هو في السرير المقابل سأل عن الوضع فقالوا خمسة وعشرون رجلا مسنا وبعض الاطفال قد ادخلوا المستشفى حالة بعضهم خطيره لقد القى الجنود الاسرائليون قنبلة غاز داخل الجامع حيث يجتمع اكبر عدد من الناس فجرى ما جرى !!

كانت قنابل الغاز ترمى بين الحين والاخر في نابلس وكان اهل نابلس يميزونها ويعرفونها هذه دخانها اصفر تجهض الحوامل.. وتلك دخانها رمادي لانزال الدموع والاختناق.. وهذه ذات لون احمر سامه وهذه مهيجه للجهاز التنفسي والعصبي . بعضها للاماكن العامه والشوراع .. وبعضها للتجمعات المقفله . لكل شرعة ومنهاج ولكن امرا واحدا كان يجمعها وهو " صنعت في اميركا " لقمع الانتفاضه !!
منذ الصباح الباكر كانت ليلى قد لملمت الغسيل من انحاء المنزل.لملمت ما كان بحاجه الى غسيل، وما لم يكن بحاجه له : بدلت شراشف الاسرة واغطية المخدات وجمعت ملابس الزوجة والاولاد والبشاكير واخذت تغسلها كانها تستعد للعيد كانت تغسل بهمه ونشاط غريبين ... وحين انهت الغسل والنشر واتجهت لتنظيف البيت فبدأت بالشبابيك والابواب والجدران كانها تستعد لحفل كبير ثم التفتت الى المطبخ فأعدت طبختين او ثلاثا هذه الطبخه لغد.. وتلك لبعد غد كانت تشتغل كالزنبرك الذي لف ولف ثم ترك ليعود لحالته.. وتساعدها فدوى وبناتها الصغار ..

ولما اقبل العصر جمعت ليلى الملابس عن حبال الغسيل وجلست وبناتها يطوين الغسيل ويعدن كل شي الى مكانه وقد احست ليلى بتأخر زوجها بعد الصلاة ولكنها لم تعر الامر كثير انتباه فهي مشغوله جدا بموضوعها تريد ان تنهي كل واجباتها قبل ولادتها وها هي قد غسلت ونظفت وطبخت ولم يبق سوى الاستحمام والخلود الى الراحه واي راحه !!!

لم تكد تضع جسمها على السرير لتستلقي من عناء التعب حتى سمعت جلبه بالباب تبعها صوت زوجها عبدالله ينادي عليها ولما دخل اخبرها بكل ما حصل في الجامع وكيف انه ترك والده في المستشفى وانه جاء فقط ليخبرها عن سبب تأخره وأنه سيعود حالا لرعاية والده المخطر ..

وانطلق عائدا الى مستشفى الاتحاد النسائي والى والدته ليطمئنها ولكنه لم يكد يمشي بضع دقائق حتى فوجئ بسماع اصوات المكبر تعلن منع التجول !! " منع التجول !! كيف يكون منع التجول ؟ وكيف اصل الى والدي في المستشفى كيف أصل الى والدي في المستشفى .. كيف أصل الى والدتي ؟ والى متى سبقى منع التجول ؟ "
كانت اخبار قنبلة الغاز قد اثارت الناس في نابلس فخرجوا بمظاهرات كبيره وحطموا بالحجاره سيارات الشرطة العسكريه واتجهو الى العماره يحطمون زجاجها ويضربون حراسها فأعلنت الشرطه منع التجول ومنعت السيارت من دخول نابلس او الخروج منها وحظرت على الصحفيين ورجال الاعلام الاقتراب من نابلس او تصوير اي احداث فيها لقد اعلنوا " نابلس منطقه عسكريه معزوله عن العالم كله "

وقف عبدالله هنيهه يفكر ثم قال : بل اذهب حالا ... كانت السيارات العسكريه تجوب شوراع المدينه شارعا شارعا تمنع السكان من مجرد الاطلال من شبابيك بيوتهم او شرفات منازلهم .... ولكن عبدالله ظل مندفعا تدافع الافكار في راسه الاحتلال الجنود الانتفاضه الشهداء.. المعتقلون.. ..والده.. زوجته.. ابناؤه.. فرنه.. اللجان الشعبيه.. اللجان الضاربه.. الحريه.. النصر.. فلسطين ..

وأقبلت احدى السيارت عليه وصرخ الجندي من مكبر الصوت يأمر عبدالله بعدم التجول وهو لا يستجيب فنزل الشرطي حاملا هراوته وانهال على راس عبدالله وجسده واطرافه .... حاول عبدالله ان يبدي اسبابه القاهره للتجول حاول ان يشرح قضيه والده وزوجته ووالدته ولكنهم جروه الى سيارتهم واخذوه .

مضت الساعات وعبدالله لم يعد الى منزله وابتدأت ليلى تحس بالآم الوضع كانت نوبة الالم تعاودها كل ربع ساعه مرة ثم اصبحت تعاوها كل عشر دقائق ثم كل خمس ومع ازدياد نوبات الالم ازداد خوف ليلى فهي وحيده وبناتها نائمات فكيف تتدبر الامر؟ لقد اعدت ما تحتاج اليه لهذه الساعه ولكن من يأخذها الى المستشفى ومنع التجول مفروض حتى على اطفال نابلس ؟؟
نظرت ليلى من ثقب الشباك علها ترى امرا يطمنئها على عودة زوجها ثم نظرت الى بناتها الاربع تطمئن عليهن ولكن وميضا من الالم مر في ظهرها ثم في بطنها جعلها تتوقف ممسكه بطرف السرير لا تغادره وانطلقت بين شفتيها صرخة الالم .. تحركت فدوى في سريرها وفتحت عينيها ثم عادت الى النوم واعتدلت الام في وقفتها وهمت بمغادرة البيت لكن نوبة الم ثانيه داهمتها . فانفلتت منها صرخة الم وصاحت : فدوى .. فدوى ..

قامت فدوى من نومها لا تدري ماذا تفعل وماذا تقول لم يكن امام الاثنتين مجال للتفكير فالألم يعاود الوالده باصرار ومعنى ذلك ان الولاده قريبه .. قريبه جدا صرخت فدوى : ام اسماعيل ... ام اسماعيل !

ودون تردد انطلقت فدوى الى الباب تنادي الجاره ام اسماعيل .. كانت ليلى ومنذ بدايه الانتفاضه ، قد انقطعت عن الحديث مع جيرانها ومع ام اسماعيل بالذات . كانت تسمعها تتحدث عن اخبار الانتفاضه وتشاهد حماسها للثوره فتبتعد عنها . لم تكن تريد ان تسمع منها عن ابنها السجين اسماعيل ولا عن نشاط ابنها احمد في الانتفاضه وكانت ام اسماعيل بلا شك تحس بذلك الجفاء من ليلى .. فهل ستحضر الان لنجدتها ؟؟

لم تمض ثوان حتى دخلت ام اسماعيل البيت تبسمل .. متى استيقظت من نومها ؟ متى ارتدت ملابسها وحجابها ؟ هل تنام بهما استعدادا لأي طارئ ؟ ربما قالت ام اسماعيل : " لا تخافي يا ست ليلى منذ بدأت الانتفاضه تعلمت كل الاسعافات الاوليه تعلمناها كلها و أول شي الولاده ابني اسماعيل يرضى عليه وهو في السجن قال " يمه بكره الحاره بتحتاج لكل صغير وكبير والاسعافات الاوليه ضروريه والمستشفيات مش رح تكفي الناس و فعلا المستشفيات لا ترضى الا الحالات الصعبه اما حالات الولاده الاعتياديه فنحن المتطوعات نقوم بها لا تخافي يا جارتنا "
سخنت ام اسماعيل الماء احضرت البشاكير النظيفه والزيت والديتول والصابون وقرأت آيات القرآن وأمسكت يد ليلى .. وانطلق صوت صغير يملآ الغرفه صراخا فرفعت ليلى رأسها قليلا وسألت ولد ام بنت ؟ ولد يا ليلى .. ولد .. مبروك .. واغرورقت عينا ليلى بالدموع ، وتحشرج الصوت في حنجرتها ، وغصت الكلمات في حلقها ثم قالت .. الحمد لله .. الحمدلله ..

نامت ليلى نوما عميقا استعادت فيه الكثير من نشاطها وقوتها كان لوجود ام اسماعيل اكبر الأثر في راحتها واطمئنانها فقد قامت باللازم و أكثر . ولكن المشكله ظهرت بعد يومين او اكثر فعبدالله لم يعد لبيته ، وليلى في فراشها لا تستطيع ان تسأل عنه أحدا .. ومن تسال ؟؟ هل يكون في بيت والده ام في المستشفى مع والده ؟

وبعد أيام من رفع منع التجول عن نابلس مدة ساعتين فقط وسمح للناس بقضاء حوائجهم الضروريه فذهبت ام اسماعيل مع فدوى الى حارة الياسمينه تسأل عن جدتها وجدها وعن والدها .. لم يكن عبدالله في المستشفى ولا عند والدته اختفى من نابلس مره واحده

سلسله من المآسي والصعوبات بدأت تغزو دار ليلى اثناء غياب زوجها . سلسله من المآسي والمشاكل فرضها الاحتلال على كل دار وبيت في نابلس وخارج نابلس .. بيت قتل منه شاب أو شابة و آخر اعتقل أحد ابنائه أو أكثر .. مريض لا يجد الدواء ومريضة لا تجد المستشفى .. طبيب لا يستطيع الخروج من منزله لعلاج مرضاه .. وطالب لا يذهب لمدرسته لاقفال المدارس .. طفل يموت من قنبلة غاز وطفله تفقد عينها برصاصه مطاطية .. سلسلة من المآسي والمشاكل والصعوبات تجتاح نابلس وكل المدن القريبه ..
ولكن الشعوب الحية لا تموت ولا تركع امام بندقية المحتل والشعب العربي في نابلس وكل مدن فلسطين لا يٌذل لعدوه اهل نابلس يرفضون ان يذلوا امام هذا العدو .. مهما شدد من قبضته الحديديه ومهما استورد من قنابل الغاز والرصاص من اميركا وغيرها ‘ اهل نابلس يرفضون الخضوع لعدوهم لطالما سمى العرب مدينتهم " جبل النار " ولطالما تغنوا بشجاعه وجرأة اهلها ..

أحضرت ام اسماعيل دجاجه "مطبوخه " مع مرقتها وقدمتها لليلى قائله : بل تأكلين وتأكلين وتأكلين حتى يزداد حليبك وتقوى صحتك ... غياب عبدالله يقلقني يا ام اسماعيل .." ولو يا جارتي يا ليلى الله معه يحفظه من كل مكروه لا تخافي يمكن انهم اخذوه الى السجن .. كل شاب عربي معرض للسجن في كل لحظه لا تخافي عليه .. "

- كيف لا اخاف عليه اذا كان بالسجن .. يعني السجن عندك لعبه ؟ لا لكن السجن للرجال وزوجك رجل قوي وانت يجب ان تاكلي الآن حتى ترضعي ابنك ويكبر ويصير رجلا .. اياما واسابيع وليلى تنتظر زوجها ألم يكن ينتظر ميلادها لحظة بلحظه ؟ ألم يكن ينتظر أن يرزقه الله بولد ؟ فلماذا لم يحضر ليرى فلذة كبده وقرة عينه ؟ اين هو يا ترى .. وكيف السبيل للوصول اليه..

كل من يعتقل يتعرض للتعذيب هذا فرض سواء أكان المعتقل رجلا ام امرأه ام شابا ام طفلا وعبدالله سمع مئات الحالات والقصص عن الاعتقالات والسجون وهو يعرف انه لن يرى اهله قبل مرور ايام قد تطول لاشهر وهو مستعد للاعتقال والتعذيب والسجن ومستعد لتحمل الجوع والبرد ولكن عدة امور تقلقه : والده الذي تركه في المستشفى والدته التي لا تعرف اين زوجها او ابنها ثم والاهم زوجته ليلى وضعفها ولكن ليلى قد تغيرت لقد غيرتها الايام وقوت من عزيمتها الشدائد .
اصبحت ليلى تجلس مع ام اسماعيل الساعات الطويله تتحدثان ، عن الانتفاضه واليهود والعرب اصبحت ترتاح لحديثها ولروحها المعنويه واخلاصها في حياتها فلما قالت لها ام اسماعيل ذلك الصباح : سأذهب لاسجل اسم ابنك في دائرة النفوس واستخرج له شهادة ميلاد .قالت ليلى : لا يا ام اسماعيل بل اذهب انا بنفسي لقد تحسنت صحتي والحمدلله سأقوم بأموري بنفسي

تغيرت ليلى حقا احست ان عليها مسؤوليات جسيمه تجاه عائلتها وأولادها ، بل واتجاه عائلة زوجها ايضا .أضافت ليلى : يا ام اسماعيل وسأذهب اليوم الى العماره مركز الحاكم العسكري .. اسأل عن عبدالله فلا بد ان اتابع الامور بنفسي فانت عندك ما يكفيك ..

في ذلك النهار حملت ليلى ابنها الصغير وذهبت الى بيت والد زوجها لتطمئن عليه وعلى زوجته لم تكن قد زارتهم منذ بدأت الانتفاضه كانت تخاف ترك بيتها او زياره احد ولكتها في ذلك النهار أخذت أولادها وذهبت الى بيت جدهم تسأل عن زوجها ثم ذهبت الى "العماره ".

كم باب طرقت.. كم شخص سالت..والجواب واحد .. لانعرف : عودي غدا .. كم يوم داومت فيه ليلى على الوقوف امام العماره علها ترى زوجها او تسمع عنه والنتيجه انها لم تره ولم تسمع عنه ابدا لقد حفظت وجوه الحراس الجنود فلم تعد تخشاهم ابدا ..ولم تعد تخاف توعداتهم لها باعتقالها او عادت للوقوف قرب "العمارة".

وفي اول موعد لزياره ام اسماعيل لابنها في السجن ذهبت ليلى معها الى السجن تسأل عن زوجها نفى اسماعيل وجوده وسألت عنه في كل الاقسام فنفوا معرفتهم بحضوره ولكنهم نصحوها ان تسال عنه في سجن "الفارعه".
كانت اول مره تركب فيها الحافله المتجهه الى مخيم الفارعه قرب نابلس يومها حملت ابنها الصغير معها فقد يطول غيابها هناك واقتربت من مخيم المعتقلين يومها صرخ فيها الجنود الاسرائيليون ان تبتعد ‘ ولكنها لم تبتعد لم تعد تخاف من بنادقهم ولا صراخهم اقتربت اكثر صرخوا بها اكثر .. فاقتربت اكثر .. تَجَمع السجناء لرؤيتهم امرأه تحمل طفلا صغيرا وتقترب من الاسلاك الشائكه في غير موعد الزياره ولامكانها ..

صرخت ليلى هل تعرفون عبدالله ؟ هل عبدالله معكم ؟؟ وعلا صوت عبدالله من بعيد ليلى .. ليلى .. انا هنا ..

وامتلأت الدموع في العيون وخفقت في صدور السجناء العبرات وغابت الكلمات ..

في موعد الزياره الاول،لبست ليلى وبناتها وابنها احلى ما عندهم واتجهوا جميعا مع جدهم وجدتهم الى سجن الفارعه كان يوم عيد عند الجميع يوم رؤية عبدالله بعد غياب شهر او اكثر ..

حملت ليلى ابنها بثقة ومشت مع البنات ومن خلف زجاج السجن وضعت ليلى يدها على يد زوجها ثم رفعت له ابنه ليراه وضع الاب خده على الزجاج عليه يحس بحرارة ابنه ثم وقفت فدوى وأخواتها فأرسلوا القبلات الحاره عبر الزجاج ... في الزياره الثانيه قالت ليلى : لقد أعاد الشباب تشغيل الفرن يا عبدالله أعطيتهم المفاتيح حتى يبقى فرن الانتفاضه يعمل كما كنت تخطط له .. فرن لصمود نابلس امام عدوهم .
ثم همست وهي تلتفت يمنة ويسرة : اما الغرفة السريه الجديده في "تسوية"الفرن فقد وضع الشباب فيها مطبعه لطباعة بيانات القياده العامه للانتفاضه وفدوى تساعدهم في توزيعها !! وانا اساعدهم باخاطة الاعلام الفلسطينيه !! أترى يا عبدالله لن تتوقف الانتفاضه وسننتظر خروجك من السجن لتواصل اعمل معنا ..

في الزياره الثالثه همست ليلى لزوجها : اليوم قتل احد شباب الانتفاضه مستوطنا اسرائيليا من مستعمرة "آلون موريه" كان يتسوق في الدكان القريب من منزلنا ‘ فاطلق عليه احد الشباب رصاصه وقتله .. يقولون انه يعمل محققا عسكريا في "العماره" هل تعرفه ؟

في كل زياره كانت ليلى تروي لعبدالله اخر اخبار الانتفاضه . لقد تغيرت ليلى حقا ، بل ان الانتفاضه غيرت وستغير الكثير .
عبدالرحمن حسن علي
مؤســس المنتدى
مؤســس المنتدى
ذكر
الجنسية :
عدد المشاركات عدد المشاركات : 16042
تقييم المشترين تقييم المشترين : 49
واتساب واتساب : 201289700022
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

في الأربعاء 14 يوليو - 15:07





█║▌│█│║▌║││█║▌│║█║▌
النّاجحون يبحثون دائماً عن الفرص لمساعدة الآخرين بينما الفاشلون يسألون دائماً ماذا سوف نستفيد نحن من ذلك
إرسال مساهمة في موضوع
اعلانات مشابهة