KW

عصافير من نار

عبدالرحمن حسن علي
مؤســس المنتدى
مؤســس المنتدى
ذكر
الجنسية :
عدد المشاركات عدد المشاركات : 16042
تقييم المشترين تقييم المشترين : 49
واتساب واتساب : 201289700022
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

في السبت 11 سبتمبر - 11:40


كان " خليل " الذيتجاوز منتصف العقد الثاني من العمر ينتمي للحركة الوطنية ، فكان منالمشاركين بفعالية عندما اشتد أوار الانتفاضة في عامها الأول ، فتراهدائما في الطليعة ، مع أنه كان بالأمس تصطك أسنانه ، وتهتز ركبه لا تقوىعلى حمله ، ويرتجف جسده ، ويزوغ بصرة عندما يردد أحدهم كلمة الاحتلال علىمسمعه ، ففي تلك اللحظة تقفز إلى ذاكرته أشكال التعذيب وصوره التي مورستعليه عندما تم اعتقاله بتهمة التستر على شخص عرض عليه الانتماء لخليةللعمل على قلع جذور الاحتلال فرفض حينها ؛ لأنه يرغب التفرغ لدراستهلتأدية امتحان الثانوية العامة الذي قام بتأديته في السجن .

انتشرت روح التحرر من الاحتلال في نفوس الشعب الفلسطيني انتشارا سريعا ،لذلك أصبح لا مناص للمرء في تلك الفترة إلا المشاركة في فعاليات الانتفاضةبشكل أو بآخر ، فقد استقطبت في تيارها كل فئات الشعب ، فمن لم يشارك فعليابها فقد تعاطف معها ، ولم يعارضها سوى حفنة من المنتفعين الذين يجرون خلفمصالحهم الباهتة ، باعوا أنفسهم وأهليهم وضمائرهم للعدو ، ترنحت ركبهموخارت قواهم ، وتدلت ألسنتهم لتلحس الفتات مقابل سفك دم أخ أو ابن أو جار .

كان " خليل " يتصدى بشراسة مع الجموع الحاشدة لدوريات الاحتلال يرشقهابالحجارة ، يريد أن يفرغ جزءا من شحنات الحقد التي ملأت قلبه ، والألمالذي ألم به في السجن ، وآثار السياط التي مازالت خطوطها بادية للعيانكمشروع خارطة طفل بخطوط متقاطعة . وبقوة وصلابة بدأ ينسب الشباب للانضمامإلى الحركة ، ويوزع المنشورات التي تصدرها القيادة الموحدة ، ويخرج ليلافي حيه في البلدة القديمة مع مجموعة من الملثمين ؛ ليقرأ بيان القيادةالموحدة ، وفيه يعلن عن حداد ، أو إضراب ، ويطلب من أصحاب المحلاتالتجارية إغلاق محلاتهم ، بصوته الجهوري الرجولي من خلال مكبر الصوت الذييحمله بيده اليمنى ويحمل باليد اليسرى المنشور أو الورقة التي يقرأ منها ،ويقوم أحد الملثمين المرافقين له بحمله ؛ ليخفف عنه عندما تكل يده لطولالبيان الذي يقرأه .


تميز " خليل " بالجرأة والحس الوطني ، وحسن التدبير ورزانة التفكير بينأقرانه ورفاق دربه ؛ أعجب به الكثيرون من أفراد المجتمع ، وأضحى القدوةالحسنة للشباب والشابات ، ولم يقتصر هذا الإعجاب على سكان حيه ، فلمع اسمهفي الأحياء الأخرى ، فتراه دائما يتصدر المسيرات الشعبية ، ويوزع الأدوارعلى الشباب في تلك المسيرات ، ويحضر ما يلزمها من كتابات ، وأعلامفلسطينية . وفي إحدى هذه المسيرات اصطدم المشاركون فيها مع جنود الاحتلال، ولفت انتباه " خليل " فتاة تشارك بجرأة في التصدي للجنود ، تتصدر مجموعةمن الفتيات ترشقهم بالحجارة غير آبهة بهم ، وكثيرا ما صاح بها يحذرها ،وفي إحدى اللحظات اضطرته إلى الإمساك بها ، وإجبارها على التراجع ؛ فقدخشي أن تصاب بعيار ناري أو مطاطي ، أو أن يلقى القبض عليها .

صدرت عنها صيحة ألم ، اصيبت " ندى " بعيار ناري ، فاندفع " خليل " معمجموعة من الشباب نحوها ليقوموا بإخلائها من مكان المواجهة ، يطلبون سيارةالإسعاف فهم في مكان تتمكن السيارة من الوصول إليه لا يبتعدون كثيرا عنأزقة البلدة القديمة ، ولكن قلة عدد سيارات الأسعاف ، واندلاع المواجهاتفي جميع أرجاء المدينة والمخيمات التي انتشرت كانتشار النار في عصف مأكول، وكثرة الإصابات أدى إلى نقلها سريعا إلى مستشفى المدينة في سيارة مدنيةخاصة .

تم إدخال " ندى " التي يرافقها " خليل " إلى غرفة الطوارئ في المستشفى ،وقدمت الإسعافات الضرورية لها ، ثم نزلت في إحدى غرف المستشفى ، وقامتإدارة المستشفى بتوثيق المعلومات اللازمة بالإصابة بعد أن تبين أن الرصاصةاخترقت عضلة الفخذ .

أعجب " خليل " بجرأتها وجمالها ، ومع أنّ الظرف لم يكن يسمح للحب إلا أنّالحب لا يأخذ الإذن في الدخول إلى القلب ، لقد أحس كأنّ تيارا رقيقا ينتشرفي جسمه . صار يزورها باستمرار في المستشفى ، لا ينقطع عنها سوى بضع ساعات، يقضيها في اجتماع مع كوادر الحركة لتنظيم فعاليات ، أو للتخطيط لأنشطة ،وكان موضع ترحيب من قبلها ، أحست أنّه كان حريصاً على سلامتها أثناءالاشتباك مع جنود الاحتلال ، سمعت عنه كثيرا ، فكانت معجبة به وبجرأته ،ومواقفه الوطنية قبل أن تراه . وفي إحدى زياراته عبَّر لها عن مشاعرهنحوها ، فعلم منها أنّها تبادله ذلك الشعور ، وأنّها توافق على الزواج منهبعد أنْ أعلمها أنّه سيتقدم لخطبتها من أبيها .

استعادت عافيتها من الإصابة ، وعادت إلى بيتها وأسرتها ، فتقدم " خليل "لخطبتها ، صعق من رفض والدها ، لم يتقبل المبرر الذي ساقه له ، فقد اعتبرهغير كفؤ لابنته ، فهو يعمل بائعا في محل تجاري يحصل على أجر شهري زهيد ،فحالته المادية متوسطة ، وساق له مبررا آخر أنّه لا يريد أنْ يكون زوجابنته نزيل السجن ، أو أن تصبح في شبابها أرملة ، فأعماله وتهوره ستؤدي بهإلى السجن ، أو الاستشهاد ، كان الأب على عكس ابنته يضخم سلبيات الانتفاضة، ويرى أنّها قضت على والاستقرار والأمن ، فالحجر لن يحرر البشر ، ولايمكنه الصمود أمام المدفع والرشاش والطائرة . وأصر الأب على موقفه له رغمموافقة الفتاة على الاقتران به .

طرده أبوها عدة مرات من المنزل مع أناس محترمين لهم مركزهم الاجتماعي بعدأن طلب منهم " خليل " أن يتدخلوا لإقناعه ، فكان عناد الأب واضحا جليا ، ،ولكنّه لم ييأس ، فاستعان بمجموعته المسلحة لإرهابه بعد أنْ أخذ موافقة "ندى " على ما سيقوم به ، يريد بث الرعب في نفس والدها ، ولكن لم تلن قناتهأمامهم . وجاء " خليل " الفرج عندما أشار عليه رجل من الحي اللجوء إلى "أبو حاتم " فهو مفتاحه ، وطلبه لا يرد أبدا ، وكلمتع لا تصير اثنتين عنده، وما على " خليل " إلا أن يذهب إليه طالبا منه مساعدته في خطبتها .

لم يضع " خليل " النصيحة في سلة المهملات ، بل انطلق مسرعا في الذهاب إليه، واستغرب " أبو حاتم " من مجيء هذا الشاب إلى بيته ، لم يره من قبل . سد" أبو حاتم " بجسمه العريض مدخل الباب ، وعلامات استفهام ظهرت على وجهه ،ولم يحد عن الباب إلا عندما سمع الشاب يقول له :
- أتسمح لي يا والدي بالدخول .
- تفضل يا بني .
دخل " خليل " غرفة صغيرة المساحة فيها اثاث متواضع اقتصر على مقاعد خشبيةتناثرت فيها مما يدل على رقة حال صاحبها ، وما أن جلس على واحد من هذهالمقاعد حتى أهتز تحته ، وكأنه يئن من جسده ، مع أن " خليل " كان متوسطالطول نحيلا ، وأثناء ترحيب " أبو حاتم " تقدم " خليل " يعرف نفسه له ،ويعلن له عن سبب زيارته ، يصارحه بمقدار حبه لابنة صديقه " أبو عزيز " ،وأنّه يرغب بشدة العيش معها ، وبين له أنه لجأ إليه بناء على نصيحة أحدالأشخاص .
أحس " أبو حاتم " بوله هذا الشـاب الماثل بين يديه ، وصمم أن يضغط علىصديقه بعد أن سمع إجابات " خليل " على الأسئلة التي وجهها إليه والنيانصبت على عمله وسنه وعائلته ، ووجد أنه يمثل غالبية شباب الوطن .

ذهب وحيدا إلى منزل صديقه " أبو عزيز " ، لم ينتظر طويلا بعد أن قرع جرسالباب ، فتح صديقه " أبو عزيز " له الباب حالا ، وفي تلك اللحظة وقبل أنيسمع كلمة ترحيب من صديقه " أبو عزيز " انطلق لسانه يهاجمه بحدة :
- ألا يعد تصرفك صادر عن شخص أحمق غبي ؟ لماذا ترفض
زواج ابنتك من الشاب " خليل " ؟ الكل يمدح أخلاقه ووطنيته .
رد " أبو عزيز " بعد قهقهة عالية يقول :
- وكيف علمت بالأمر ؟ ومن نقل إليك الخبر ؟
رسم " أبو حاتم " على وجهه علامات غضب شديد ، فقال له :
- هذا لا يعنيك . إلى متى تظل بهذه العقلية المتحجرة ؟ ألا ترى الظروفالصعبة التي نمر فيها ؟ احمد ربك أنّه دخل من الباب لا الشباك ! وسمعت أنهانتفخ صدرك ، وصرت تتكلم من رأس أنفك مع الأكابر الذين توسطوا له ، وجاءوايطلبون يد ابنتك ، ظنوا أنك ذو مقام كبير ، ولكنهم اكتشفوا أنك طبل أجوف .

دعا " أبو عزيز " صديق عمره للجلوس على الأريكة ، يريد أن يخفف من غضبه ،ويستقطبه ليقف إلى جانبـه ، يريد أن يؤلبه على " خليل " بذكر له ما قام به، فإحضار الملثمين يعد عملا شائنا يستنكره القاصي والداني فيقول له :
- لقد أحضر المسلحين من الشباب الملثمين الذين على شاكلته .
فرد عليه " أبو حاتم " بقوة وحزم :
- ليس البشر من صنف واحد ، فهم مختلفون في تصرفاتهم وعقولهم ، فمنهم منيقدرك ويحترمك إن استخدمت أسلوب المنطق والعقل واللطف معه ، ومنهم من هوعلى شاكلتك لا ينفع معه سوى أسلوب القوة والتهديد والوعيد ، وبسبب عنادكأحضرهم .
- أشهروا أسلحتهم ، وهددوني بالقتل فورا إذا لم أوافق .
قرر " أبو حاتم " أن يتخذ أسلوب الهجوم ، وألا يتراجع عنه ، فهو يعرفه أشدالمعرفة ، فستتغير الأدوار إن أظهر اللين معه ، لذلك من الضروري أن يبقىصلبا حتى تلين قناة محدثه فقال له :
- يا ليتهم أطلقوا النار عليك ، وأراحوني من صداقتك .
- يريدون موافقتي على " خليل " ، كانت مجموعة كبيرة ، انتشرت حول البيت ،أفزعونا ، ظننا أنّهم من فرقة المستعربين التي كونها جيش الاحتلال لتصفيةشباب الانتفاضة المطاردين . ولكن أسلوب التهديد لم يفزعني ، هجمت عليهمبالعصا فهربوا مني .
- أعرف أنك أحمق ، تهجم عليهم بالعصا ! لو كان في نيتهم الشر لجندلوك علىالأرض مقتولا ! استر على ابنتك يا رجـل ، لا تجبرني يا " أبو عزيز " علىأخـذك إلى المستشفى الذي يضعون فيه الحمقى والمجانين .
- أخاف أن يسجن أو يقتل ، وهو ليس كفؤا لها ، يعمل بالأجرة في محل تجاري ، والبنت في الحقيقة تستحق طبيبا أو مهندسا .
- أين الطبيب والمهندس ؟ الزواج قسمة ونصيب ، والشاب يحبها وتحبه ،والأعمار بيد الله ، وقدر الإنسان لا مفر منه ، لو عندي بنت وطلبهالزوَّجْتُه إياها ، والكل عرف علاقتها به .
- أفهم من حديثك أن التردد ليس في مصلحة الفتاة .
- آخر كلام عندي سأحضره غدا معي لنقرأ الفاتحة .
- فليأت معكما وجهاء عائلته ، حينها نقرأ الفاتحة .
عدل " أبو حاتم " من جلسته ، وعاد إلى تمثيل دور الشخص المحتد فقال له :
- عدنا إلى الشكليات ، ألستُ وجيها ، أم أنني لستُ على قدر مقام حضرتك ؟ سيأتي الوجهاء عندما نكتب عقد الزواج .
- أمرك مطاع يا " أبو حاتم " .

كان " خليل " يشتعل حمية وجرأة كلما ازدادت الانتفاضة ضراوة ، ويعمل جاهداعلى إلهاب أوارها ، يكمن لدوريات الاحتلال ؛ ليقذفها بالحجارة وبالزجاجاتالحارقة .

من السهل الانتقال من حي إلى آخر من خلال القفز من سطح إلى آخر من سطوحمنازل البلدة القديمة دون مخاطرة ؛ لأنها متلاصقة ، وعلى هذه الأسطح بدأ "خليل " يكدس الحجارة ، يستتر باللثام والليل ؛ لينفذ خطة رسمها مع مجموعتهلاستدراج إحدى الدوريات ، يقومون بقذفها بالحجارة ، ويتراجعون أمامهاتدريجيا حتى تدخل في زقاق ضيق ، يكون " خليل " كامنا فوق السطح المطل عليهليقوم بإسقاط حجر ضخم عليهم ، ونجحت الخطة واستدرجت الدورية المترجلة ،واستطاع " خليل " إسقاط ثلاثة حجارة أدى أحدها إلى قتل ضابط الدورية فورا، وأصاب الثاني جنديا آخر مات من جرائه بعد عدة أيام .

فر " خليل " من المنطقة ، وجاءت قوة كبيرة من الجيش تطوقها ، وأعلنت منعالتجوال في البلدة القديمة ، وجمع الذكور في إحدى ساحات البلدة القديمة ،يدققون في بطاقاتهم الشخصية ، وفي هذه اللحظات كانت مجموعات أخرى من جنودالاحتلال تقتحم البيوت وفيها النساء والأطفال وكبار السن من الرجال ،يبحثون عن الملثمين الذين أسقطوا الحجارة ، ورجال المخابرات يحققون معسكان المنزل الذي أسقطت من فوقه ، مارسوا معهم كل فنون التعذيب ، هددواالنساء والفتيات بالاعتداء على شرفهن ، وأخيرا انتزعوا منهم أوصاف الشخصالذي ألقى الحجر ، كان جارا لهم ، فهم يعرفونه حق المعرفة ولو أنه كانيحتمي باللثام والليل .

أسفرت هذه الحملة قبل إطلاق سراح المحجوزين في الساحة عن اعتقال عدد منالشباب كان من بينهم أحد المشاركين في استدراج الدورية ، لم يكن مطلوبا ،ولم يعتقل سابقا ، وأخضع ومن معه لتعذيب شديد ، فلم يصمد طويلا ، فأرشدالمحققين إلى البيت الذي تختبئ فيه المجموعة في البلدة القديمة ، واشتبكالجنود مع المحاصرين ، وأسفر الاشتباك عن قتل جندي واثنين من المحاصرين ،وقبض على " خليل " بعد نفاد الذخيرة .

أوهم رجل المخابرات الذي كان يحقق مع " خليل " بصدور حكم إداري عليه مدتهستة أشهر بعد أن عجز في انتزاع اعتراف منه ، وتم ترحيله إلى أحد السجون ،فوجد أن شخصين يشاركانه زنزانة واحدة ، لم ينبس بأي كلمة ، لقد كان حذرا ،فهو يخشـى أن يكون أحدهما أو كلاهما من " عصافير " المخابرات تم دسهما لهلانتزاع اعتراف منه ، فقد سمع عنهم الكثير ، ولديه خبرة سابقة فهو خريجالسجن حصل على الشهادة الثانوية وهو بين القضبان .

ومر أسبوعان لا يتكلم مع شريكيه في الغرفة ، أوهموه أنهم يرتابون فيه ،فربما هو " عصفور " دسته المخابرات بينهم ، يتحدثان همسا خوفا من أنيسمعهما ، فصار يتقرب إليهما ، فازدادا إمعانا في التباعد عنه ، حتى انفجرغاضبا من شكهما فيه ، فطالباه بإقناعهما بوطنيته ، فحدثهما عن عملية قتلهللضابط والجندي عندما أسقطه على دورية الجنود المترجلين . اقتيد للتحقيقثانية ليسمع شريطا بصوته يعترف بما قام به ، ليقضي في السجن ثلاث مؤبدات ،فحرقت العصافير له عش الزوجية الذي كان يبنيه بالآمال مع خطيبته " ندى "التي لم يعد يرى بسمتها الرقيقة في أحلامه .




█║▌│█│║▌║││█║▌│║█║▌
النّاجحون يبحثون دائماً عن الفرص لمساعدة الآخرين بينما الفاشلون يسألون دائماً ماذا سوف نستفيد نحن من ذلك
إرسال مساهمة في موضوع
اعلانات مشابهة